الشيخ محمد رشيد رضا
668
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
مِنْ قُوَّةٍ ) وغيرها من هذه السورة قريبا إن شاء اللّه تعالى وما أضعف الترك والمصريين وغيرهم من شعوب المسلمين إلا تركهم لهداية القرآن في مثل هذا وغيره من إقامة العدل والفضائل وسنن اللّه في الاجتماع التي انتصر بها السلف الصالح ، واستبداد حكامهم فيهم ، وانفاق أموال الأمة والدولة فيما حرم اللّه عليهم من الاسراف في شهواتهم ، وقد اتبع الإفرنج تعاليم الاسلام في الاستعداد للحرب وفي غير ذلك من سنن اللّه في العمران ، فرجحت بهم كفة الميزان ، وسيتبعونها في الأمور الروحية ، بعد أن تبرح بهم التعاليم المادية والبلشفية ، ويتفاقم فسادها في أممهم ، حتى تخرّب بيوتهم بأيديهم ، من حيث فقد المسلمون الجغرافيون النوعين كليهما من تعاليمه ، وقام الجاهلون منهم يحتجون عليه ، بما أفسدوا وابتدعوا فيه ونسبوه اليه ، وهو حجة عليهم وعلى جميع الخلق . وأما الأمور الاجتماعية التي مكنت سلف المسلمين من فتح بلاد كسرى وقيصر وغيرهما من الشعوب فهي أكبر حجة للاسلام أيضا ، إذ ليست تلك الأمور إلا ما كان أصاب تلك الشعوب من الشرك وفساد العقائد والآداب ، ومساويء الاخلاق والعادات ، من فشو الفواحش والمنكرات ، وسلطان البدع والخرافات ، التي جاء الاسلام لازالتها ، واستبدال التوحيد والفضائل بها ، ولهذا وحده نصرهم اللّه على الأمم كلها ، إذ لا خلاف بين أهل العلم والتاريخ في أن العرب كانوا دون تلك الشعوب كلها في الاستعداد الحربي المادي ، فلم يبق لهم ما يمتازون به إلا اصلاح الاسلام المعنوي . ولما أضاع جماهير المسلمين هذه العقائد والفضائل ، واتبعوا سنن تلك الأمم من البدع والرذائل - وهو ما حذرهم الاسلام منه - ثم قصروا في الاستعداد المادي للنصر في الحرب ففقدوا النوعين منه ، عاد الغلب لغيرهم عليهم فنسأله تعالى هداية هذه الأمة ، وكشف ما هي فيه من غمة ، لتستحق نصره باتباع شرعه ، ومراعاة سننه في خلقه ، وبتقواه المثمرة للفرقان في العلوم والاحكام والاعمال ، فيعود لها ما فقدت من الملك والسلطان اللهم آمين ( تم تفسير الجزء التاسع كتابة وتحريرا بفضل اللّه وحوله وقوته ) ( في أواخر شهر شعبان سنة 1346 ونسأله الإعانة والتوفيق لاتمام ما بعده وللّه الحمد والشكر أولا وآخرا